اسماعيل بن محمد القونوي

80

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة غافر ( 40 ) : آية 53 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ ( 53 ) قوله : ( ما يهتدي به في الدين من المعجزات والصحف والشرائع ) ما يهتدي به أي أن الهدى مصدر أريد به ما ذكر إما للمبالغة أو للتجوز به . قوله : ( وتركنا عليهم بعده من ذلك التوراة ) وتركنا عليهم أي أورثنا استعارة تبعية شبه تركه عليهم بالإيراث في كونه تركا للمال من المورث إلى الوارث ولكونه أقوى أسباب الملك اختير أورثنا على سائر أسباب الملك « 1 » قوله بعده أي بعد موسى عليه السّلام إذ الإرث ما يؤخذ بعد الموت وهذا بيان حاله بعد الوفاة وأما حال الحياة فلا ينتظم الإيراث له فلذا خصه بما بعد الموت وحال حياته معلوم حيث أخذوا التورية والعلم منه بالمشافهة أو بالذات أو بالواسطة . قوله تعالى : [ سورة غافر ( 40 ) : آية 54 ] هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 54 ) قوله : ( هداية وتذكرة ) أو هاديا ومذكرا . قوله : ( لذوي العقول السليمة ) لأنهم منتفعون به وإن كان عاما لغيرهم في حد ذاته . قوله : وتركنا عليهم بعده من ذلك التورية أي وتركنا عليهم بعد موسى من ذلك الهدى كتاب التورية يعني استعير أورثنا لتركنا قال صاحب النهاية في أسماء اللّه الوارث وهو الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم ومنه اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني أي أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت وفيه إشارة إلى أن ميراث الأنبياء ليس إلا العلم والكتاب الهادي الناطق بالحكمة والموعظة ألا يرى كيف اطلق الهدى في قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى [ غافر : 53 ] ليكون شائعا في جميع جنسه فيتناول جميع ما آتاه اللّه تعالى في باب الدين ثم جعل نصيب أمته الكتاب وحده وكيف آوى سيدنا صلّى اللّه تعالى عليه وسلم في قوله من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل اللّه له طريقا من طرق الجنة وأن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم وأن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء وأن الأنبياء صلوات اللّه عليهم لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم فمن أخذه بحظ وافر أخرجه أبو داود والترمذي عن قيس بن كثير عن أبي الدرداء قال صاحب الجامع معنى وضع أجنحة الملائكة التواضع والخشوع تعظيما للطالب وتوقيرا للعلم قال تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ الإسراء : 24 ] وقيل معناه الكف عن الطيران أي لا تزول من عنده كقوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ما من قوم يذكرون اللّه عز وجل إلا حفتهم الملائكة . قوله : هداية وتذكرة أو هاديا ومذكرا الوجه الأول على أن يكون هدى وذكرى مفعولا له لأورثنا والثاني على أن يكون حالين من الكتاب جاءنا على صورة المصدر نحو آتيته مشيا أو ماشيا .

--> ( 1 ) بعده من ذلك الإشارة إلى الهدى وصيغة البعد للتفخيم .